|
|
 |
|
الصفحة الرئيسية /
مقالات قانونية واقتصادية / الجودة الشاملة
|
|
الجودة الشاملة
29 April 2009 08:24 am
 400 مشاهدات
الجودة الشاملة
أسامة رقيعة
يقول الخبراء انه قد نشأت الجودة كنظام إداري في اليابان ، وذلك مع بداية القرن العشرين ثم نجحت نجاح منقطع النظير ، خاصة عندما تم تطبيق مبادئها على المنشآت الصناعية اليابانية، ثم انتشرت هذه الفكرة انتشارا واسعا وحاول العديد من الدول الغربية تطبيقها على منشآتهم ومؤسساتهم .
كانت الولايات المتحدة الأمريكية من أوائل الدول التي قامت بتطبيق فلسفة الجودة على كثير من القطاعات وأولها القطاع الصحي. غير انه ومن منظور تاريخي نجد ان الجودة ترجع إلى عام 2000 قبل الميلاد وإلى قانون حامورابي ملك بابل الحكيم ، حيث نلاحظ إن قانونه يحتوي على أقدم قوائم عرفها الإنسان تتعلق بتكاليف ورسوم الخدمات المقدمة، وبهذا الشكل جمع حمورابي بين الجودة وتكلفة الخدمات المقدمة ، وفي فترات لاحقة تم إصدار مجموعة قوانين شملت العقوبات الخاصة بالأخطاء المهنية، والزائر لمتحف "اللوفر" في مدينة باريس سيجد هناك لوحة ضخمة تحتوي على أقدم لائحة جزاءات لحالات الإهمال والقصور في الأداء المهني .
وفي القرن الخامس قبل الميلاد احتوت كتب "ثــوث" Thoth في الحضارة المصرية القديمة على بعض المعايير ، حيث أعتبر أي انحراف عن هذه المعايير جريمة. وأيضاً في القرن الرابع قبل الميلاد وفي مجال الحقل الطــــبي وضع " أرسطــو" قانوناً يؤكد أنه يسمح للأطباء بتغيير طريقتهم الاعتيادية في معالجتهم للمرضى عندما لا تتحسن حالة المريض بعد اليوم الرابع من بداية مرضه ، ولا شك أن هذا التغير يهدف الى تجويد الأداء في الخدمة الطبية ،وفي عصر الإغريق طلب أبو قراط من تلاميذه أن يقسموا يميناً على أن يقدموا إلى مرضاهم أفضل ما يمكن أن يقدموه من خدمة ورعاية صحية. كما انتشر في دول أوربا استخدام ما يطلق عليه " قسم الأطباء " ، حيث يتعهد الطبيب بأن يصف الدواء والنظام العلاجي الذي ينفع المرضى ولا يستخدم أشياء قد تسبب ضرراً لهم.
ومن هذه البدايات استمدت المفاهيم والمعايير الحالية التي تحكم نشاطات إدارة الجودة وتطبيقاتها. ففي الحضارات القديمة كالحضارات الإغريقية، والرومانية والصينية ، والعربية الإسلامية كانت توجد مدارس منظمة وتقاليد جيدة لممارسة المهنة، كما وضعت كثير من القواعد المكتوبة حول التصرف المهني .
غير انني في الحضارة الإسلامية، لاحظت أن هناك الكثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ، والمشاهدات العملية في الدولة الإسلامية تبين لنا أن الإسلام قد أرسى الأسس الصحيحة لبناء مجتمع قوي متماسك. وإن المتمعن لمبادئ إدارة الجودة الشاملة، سيجد أن تلك المبادئ بحد ذاتها قد تم ذكرها في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، وأن الإسلام اهتم بالجودة من خلال ترسيخ تلك المبادئ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر مبدأ الشورى، مبدأ حرية الإنسان ، مبدأ المساواة وتحقيق العدالة ، مبدأ التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع، مبدأ احترام العلم، مبدأ احترام العمل ،مبدأ شمولية التوجهات الإسلامية العقدية لكل جوانب الحياة.
فمثلاً، دعا الإسلام إلى الالتزام بمبدأ الشورى، الذي يعني اتخاذ القرارات حيال المشكلات من خلال التشاور مع أفراد المجتمع، وقوله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم موجهاً له في تعامله مع أصحابه وأتباعه :{فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} [آل عمران 159].
كما يؤكد الإسلام أهمية التعاون في سبل الخير العام وروح الجماعة في كـل توجيهاته وتعلـيـمـاتــه، يقــول سبحانـه وتـعــالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة 2].
ويوجه القرآن المسلمين إلى الحرص في إصدار الأحكام، فلا يجوز للمسلم أن يصدر حكماً على أمر إلا إذا كان لديه علم كاف بالموضوع، كما أن الإسلام يحث المسلم على أن يسأل العلماء في مواضيع تهمه، وفي الوقت نفسه عندما لا يمتلك المعرفة اللازمة بها، يقول سبحانه وتعالى :{و لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئـــك كان عنــه مسئــولاً}[الإســـراء 36] وقولـه عــز وجل :{ فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل 43].
ويحث الإسلام العامل المسلم على إتقان عمله، وأن يكون مسئولاً عن جودته وسلامته من العيوب. كما يدعو الإسلام للتحسين والجودة والإتقان في العمل وجعل لمن يحسن عمله أطيب الجزاء، لقوله تعالى:{إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} [الكهف 30] وقوله تعالى :{ ولتسألن عما كنتم تعملون } [النحل 93] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث اتباعه على إتقان العمل ويرغب فيه ويعده قربة من أحب القربات إلى الله سبحانه وتعالى، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب من العامل إذا عمل أن يحسن ))، وفي رواية أخرى : ((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه )) [رواهما البيهقي] وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أمن سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء )) [رواه مسلم].
إن من القيم الإسلامية الأصيلة حب العمل في ذاته والإتقان له حيث ذكر القرآن الكريم العمل في كثير من المواقف ، ولا يكاد يرد في القرآن ذكر الإيمان إلا ويتبعه ويقـترن بـه ذكـر العـمل الصــالح، ويعـــد الله المؤمنين بقــوله سبحــانه وتعــالى: { وقـل اعموا فسـيرى الله عملكـم ورسـوله والمؤمـنـون} [التوبة 105] وقوله سبحانه وتعالى : { من عمل عملاً صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحييه حياة طيبة ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل 97].
إن من الركائز الأساسية في إدارة الجودة الرقابة بأنواعها، وقد ذكر الخبراء أن الرقابة الإسلامية هي تلك الرقابة الشاملة سواء كانت علوية، أو ذاتية ، أو إدارية (رئاسية)، أو رقابة خارجية. إن جميع هذه الأنواع من الرقابة تسعى إلى التأكد من أن الأهداف المرسومة والأعمال المراد تنفيذها قد تمت فعلاً وفقاً للمعايير والضوابط الشرعية الإسلامية .
إن التربية الإسلامية تغرس في نفس المؤمن مبدأ الرقابة الذاتية بحيث يباشر المؤمن عمله بإخلاص وأمانة دون خوف من أحد أو طمع في منصب، وإنما فقط على أساس من تقوى الله وخشيته.
إن الوازع الإيماني المتأصل في صدور المسلمين والعقيدة الدينية المتمركزة في قلوبهم لهما الأثر الفاعل في مراقبة الله سبحانه وتعالى والإحساس الكامل بالمسئولية تجاه أعمالهم الدنيوية والأخروية. وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى : { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [البقرة 271]، كما يقول جل شأنه { كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر 38]، وقوله سبحانه وتعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى} [النجم 39-41] ومما يدل على الرقابة العلوية من الخالق تجاه المخلوقين قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم {وما ربك بغافل عما تعملون} [النمل 93] ومما يدل على الرقابة الرئاسية أو الإدارية قوله تعالى { إن الله يأمركم أن تأدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن يحكموا بالعدل} [النساء 85] ومما يدل على الرقابة الخارجية قوله سبحانه وتعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران110].
نحن أولى بتجويد أعمالنا لأنها جزء لا يتجزأ من دستورنا الحيوي وقاعدة من قواعد إيمانا المنطلق بضرورة اعمار الأرض والحياة التضامنية والروح المتحدة من اجل اقتصاد سليم ومجتمع معافى.
أسامة رقيعة
نشر في جريدة الخليج الاماراتية
|
|