قيم إنسانية خالدة

لا أنسى تلك الأيام من عمري، لقد كانت مثل البالونة التي تطفو على سطح البحر ثم لا تستقر على حال، كنت دائما ابحث عن نقطة ثابتة، لم يكن هناك ثمة شي يمكن أن يدهشني، وفي ذات يوم سألت نفسي ما الذي ينقص هذه الدنيا؟ فكل شئ موجود من حولي وفي جيبي، فقد كان في جيبي وأنا طالب لا مسؤوليات علي، مبلغا جيدا من المال، بل هو بالعملة الأجنبية ، مع بعض النقود المحلية، واسكن في مكان راق، وأتجول في ارقي المحلات بشارع الجمهورية وأستطيع اقتناء الكثير ولكن شئ مفقود في نفسي، وفي عقلي، يجعلني لا اشعر بقيمة الأشياء التي من حولي أو التي في جيبي .

تلك الأيام علمتني أن دنيانا هذه لا تحتاج إلى المال ، فهي غنية به كما أنها لا تحتاج إلى المباني العالية ، ولا إلى الأحياء الراقية ، فهي كثيرة ولكنها تحتاج إلى الرجال ، وعندما أقول الرجال لا اقصد المعنى العلمي لهذا التصنيف ، ولا اقصد أيضا المعنى الشكلي ، ولكن اقصد المعنى الإنساني والإيماني لهذه الكلمة فدون ذلك تصير حياتنا كلها كبالونة عائمة هي لن تغرق ولكنها حتما ستنفجر.

عندما حملت قلمي هذا كي اكتب عن هذا الرجل ، عرفت أن الكثيرين ستكون لهم مواقف ، وسيقولون إنها كتابة مغرضة ، يرمي صاحبها إلى التزلف إلى الرجل أو الحصول على منفعة زائلة ، وموقفهم هذا غير سليم لسببين، السبب الأول: هو إن صاحبنا من الفطنة، وصفاء القلب، وشفافية السريرة ، بحيث انه لا تتلون عليه الأحداث ولا تفوت عليه الشوارد، أما السبب الثاني: فانهم لا يدركون حجم الحب الذي يزرعه هذا الرجل فيمن هم من حوله ، وان قلبي منذ الأزل غير مفتون بحب المال ، ولا متعلق به ، بقدر ما هو مفتون بالقيم الإنسانية والمواقف الجمة .

ففي حياة الحاج / سعيد أحمد ناصر لوتاه مواقف وقيم إنسانية لا يمكن إن يمر بها العاقل مرور الكرام ، ولا يجب أن تترك دون أن تعرفها الأجيال  فهي مواقف تضئ كالقناديل ، وترمز إلى قيم خالدة في نفس هذا الرجل ويجب أن تبقى .

ان صاحبنا من ارض الإمارات تلك الأرض الودود الولود البكر التي أنجبت خيارات من خيارات القادة والحكماء ، فكان منها زعيمهم المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، والشيخ العبقري راشد بن مكتوم مؤسس نهضة دبي الحديثة واخوته الكرام حكام الإمارات ، إنهم رجال في السيرة العربية يجب أن يتوقف عندهم العرب ، ليس نظرا لثروتهم بل نظرا إلى حكمتهم وفطنتهم ، فان الثروة لم تصنعهم بل هم الذين صنعوا الثروة ، فالمال لا يصنع الرجال ولكن الرجال يصنعون الثروات، كمثل صاحبنا سعيد لوتاه ، فانك لا تشعر أبدا أن عظمته آتية من ثروته، بل أن عظمته آتية من شئ ما في داخل نفسه الأبية وفؤاده النقي، فإذا دخلت عليه في مجلسه تشعر بالأمان كأنك في أحد دور العبادة ، فوجوده في أي مكان يضفي نوعا من الاطمئنان والسلامة والأمان ، والرجل هكذا لا يكون إلا متوضئا فهو يعقب الوضوء بالوضوء ، حتى في غير ميقات الصلاة وفي يقينه إن كل التفاته، أو عمل، أو مناقشة أمر من أمور العامة، هو عبادة، وهو يعني ما يقول إذ أن كل شئ في تصوره هو لوجه الله تعالى، ابتغاه مرضاته، ونيلا لحسناته.

قال لي ذات مرة وقد كنت استأذنه في بعض أمور العمل:

 


 

جميع حقوق الطبع محفوظة© لأسامة رقيعة @  2006

تم تصميم الموقع بواسطة الأستاذ/ معتز محمد عثمان