
الضوابط التشريعية في شأن الجرائم الإلكترونية
إن الحاجة لوضع تشريع جنائي لمواجهة الجرائم الإلكترونية في الدول العربية
باتت ماسة ومهمة إذ أن النصوص القانونية الحالية رغم أهميتها فهي قاصرة عن
تغطية الحالات الجرمية المستجدة التي ظهرت مع التقنيات الحديثة كالإنترنت
والكمبيوتر ومتفرعاتهما، ومما يظهر لنا قصور النصوص القانونية الحالية
لمواجهة الجرائم الإلكترونية الحقائق الأساسية التالية :
الحقيقة الأولى
: إن جرائم الكمبيوتر والإنترنت تستهدف المعطيات ذات الطبيعة المعنوية ،
فعندما يكون الكمبيوتر هدفا للجريمة فان السلوك يستهدف المعلومات المخزنة
فيه أو المنقولة منه أو إليه وعندما يكون وسيلة لارتكاب الفعل ، فان السلوك
يستهدف بيانات تمثل قيما مالية أو اعتبارا ماليا ، ويجري الفعل أو السلوك
بتوسل طرق تقنية في بيئة معنوية وليست في بيئة مادية . وعندما يكون
الكمبيوتر بيئة للجريمة فان محتوى الفعل غير المشروع هو المعلومات غير
المشروعة كما هو الحال في جرائم المحتوى المعلوماتي الضار.
الحقيقة الثـانية
: إن مبدأ الشرعية الجنائية يمنع المسائلة الجنائية ما لم يتوفر النص
القانوني ، فلا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ، ومتى ما انتفى النص على تجريم
مثل هذه الأفعال التي لا تطالها النصوص القائمة امتنعت المسؤولية وتحقق
القصور في مكافحة مثل هذه الجرائم .
الحقيقة الثالثة
: إن القياس في النصوص الجنائية الموضوعية محظور وغير جائز ، ويكاد ينحصر
في الحقل الجنائي بنصوص الإجراءات الجنائية كلما كانت اصلح للمتهم ، ومؤدى
ذلك امتناع قياس أنماط جرائم الكمبيوتر والإنترنت على الجرائم التقليدية
التي تستهدف الأموال والاعتبارات المالية . ومن جهة أخرى لا يصلح القياس
على نصوص خاصة بنوع من الجرائم كقياس سرقة المعلومات أو سرقة وقت الكمبيوتر
على الاستيلاء على القوى المحرزة مثل الكهرباء وذلك لتخلف علة القياس
ولان هذه نصوص شرعت خصيصا لتطال الأنماط التي تنظمها وهي نصوص خاصة لا
يتوسع في القياس عليها بل تعد استثناء والاستثناء لا يتوسع فيه .
إن هذه الحقائق ذاتها قد استدعت تدخل
المشرعين في بعض الدول المتقدمة لتعديل قوانينها الجنائية أو حتى سن
قوانين جديدة لمواجهة الجرائم الإلكترونية فبعض الدول عدلت قوانينها بالنص
صراحة على إنزال معطيات الكمبيوتر منزلة المال المادي المنقول وذلك لتحقق
إمكانية تجريم المعتدين على هذا المال بنصوص جرائم السرقة والاحتيال
والإتلاف وغيرها لكن الاتجاه الغالب اتجه نحو سن تشريعات مستقلة لتجريم
جرائم الكمبيوتر والإنترنت أو استحداث نصوص مستقلة أضافتها إلى تشريعاتها
القائمة وهذا المسلك امتد ليشمل نفس الدول التي نحت المسلك الأول فعادت لسن
تشريعات جديدة لعدم كفاية التعديلات التي أحدثتها .
أن التشريع الجنائي للجرائم الإلكترونية قد يحتاج إلى آلية مستجدة غير
تقليدية تواكب شكل وطبيعة الجرائم الإلكترونية التي تتميز بما يلي :
أولا : إن عنصر المكان في الجرائم الإلكترونية يشكل صعوبة في تحديد الاختصاص ،
فمرتكب جريمة الاختراق الإلكتروني أو الاحتيال قد يكون متواجدا داخل حدود
سيادة إقليمية لدولة معينة ثم تنتج آثار جريمته هذه في دولة أخرى فينشا
السؤال عن ين تم ارتكاب هذه الجريمة وبالتالي ماهي السلطات المختصة
لمتابعة عمليات الضبط الجنائي وجمع الاستدلالات ومن ثم المحاكمة والعقاب ؟،
ثانيا : إن عنصر الزمان في الجرائم الإلكترونية قد يختلف فزمان الفعل المكون
للجريمة الإلكترونية قد يختلف عن زمان أثره ( اختلاف الأزمنة حسب خطوط
الطول ) وان كان في تقديري إن اختلاف الزمان قد لا يشكل صعوبة قانونية كتلك
التي قد تنشأ عن اختلاف الأنظمة القانونية والجهة المختصة اللهم إلا في
الجزء المتعلق بالتحري وجمع الاستدلالات والضبط .