|
|
|
أ . ب . الحياة في ملامحي شبه من كل واحد منكم ، فطولي 5 قدم، وشعري سبيبي، وعيوني عسليه، وقلبي ينبض بالحياة، وفي قريتي الصغيرة التي كنت أزورها كل صيف مع أسرتي هربا من لهيب المدينة الحارق كنت أتعلم الصمت والعزلة والتأمل، حياتي في القرية لم تكن قاسية ، ولكن كنت حالما أمل منها وأهرب إلى المدينة فعقلي ومشاعري كانت سريعا ما تحتاج الى المزيد من قوة الحياة التي تغذي تفكيري ، وعزلتي ، وتأملي ... في ليل القرية كنت أشعر ببعض المعاناة ، فالظلام دامس في الليالي غير المقمرة والصمت رهيب ، يقطعه أحيانا صوت السواقي وندأ الفلاحيين . أن عقلي كان يموج بحاوي وخرافات كنت اسمعها عن جدتي وأقاربي ولسوء حظي كانت هذه الحكاوي تدور حول شجرة تقع أمام باب المنزل الذي أسكنه الشيء الذي كان يجعلني أشعر بالرهبة من الليل فاتعلق بمرقدي منذ وقت مبكر. ولكن في الليالي المقمرة كنت أجد شيئا من السلوى ، فبيني وبين القمر عشق خاص ومودة ضافية، فهو صادق وصافي وكريم يضئ كل منازل القرية في غير ما بخل أو تفضيل ، فكنت أعشق في القمر هذه الخصال، وعندما كانت تمر سحابة وتحجبه عني كنت انتظر انجلائه بصبر كبير وأظل في تعلقي به حتى يأخذني النوم ثم أصحو باكرا أداعب الرمال وأحاول أن أملا فراغ يوم قادم. عندما ارجع الى مدينتي التي أحبها كنت أنسى ركود الريف وأعيش الحياة بعكرها المحفز على التفكير والتأمل .. فالضوء في مدينتي يقهر الظلام ، ويجعله يرفع رايات السلام البيضاء التي تضئ كل الأماكن والطرقات ثم حركة الأفراد والسيارات والأماني والرغبات تجعلني أشعر بقوة الحياة. الناس في حينا كانوا طيبين .. لقد عاشرناهم طويلا حتى صاروا أهلنا رغم أن بعضهم كان يتغلب عليه الشر فيصيبونا ببعض الأذى إلا انهم كانوا جميعا طيبون .. كان يكفيني أن أسمع صوت أحدهم حتى أشعر بالأمان والانتماء، وأذ التقيت بأحدهم في مكان ما شعرت وكأني قد عدت الى منزلي.. الجو في مدينتي معبأة بالمحنة والدفء والبساطة .. وكذلك في منزلي .. لم أكن أشعر بأني ثرية ولكن جميع رغباتي ومطالبي لم تكن صعبة التحقيق ، وما كان لدي نهما للامتلاك لأني دائما أحس بالاكتفاء والسعادة. المسجد اقرب إلى منزلنا من البقالة، وهو بسيط من الخشب لمضغوط ولكن الناس فيه متآلفون .. ولصوت مؤذنة مذاقا خاصا.. ومازلت اذكر صوت الأمام فيه وهو يتلو سورة ( ق ) عند صلاة المغرب بصوت مخنوق بعبرة وخشوع .. هذا الإمام كثيرا ما يدفعني للوضوء والوقوف في المصلاه بعد أن يكون قد غالبني شيطاني وأبقاني على حالتي متكاسلة عن الصلاة. لا أذكر ان لي عداوة مع أحد غير أني لا أحب الأفكار والتصرفات الصغيرة بل أحب أن أبدو كبيرة وعاقلة لذلك كثيرا ما أفضل البقاء مع نفسي أتفرج على حركة الحياة ، وأفكر وأقرأ في الفلسفة والاجتماع والدين وعلم النفس لا لكي أبدو مثقفة ولكن كي أن أتبين طريقي وأنا أسير ، فالحياة تظهر ممتعة وكبيرة وخالدة وأبدية .. ولكن فيها سر ولها هدف وغاية ، هكذا تقول كل منظومة فيها .. فلايمكن أن يكون كل هذا الكون الضخم قد خلقا عبثا أو لكي نعيشه بعبث فلا بد أن نحيا بهدف نظام مثلما خلق هذا الكون بهدف ونظام. احب الجميع، كما أحب نفسي، وكنت احترم نفسي أكثر عندما اشعر بأنني وفية للآخرين وأنني لم أنسى جميل أحدهم فالذي يقدم لي قيراط حب اشعر باني مدينة له بقيراطين وكنت أقول في نفسي انه الربا الحلال. إن الناس الكبار الذين ارتفعوا بنفوسهم عن صغائر الحياة اشعر بالحب تجاههم ، كما أحس بأني مسؤولة عن مكافأتهم ... بماذا أكافئهم؟ .. ما كنت أدري ولازلت لا أدري !! أكبر حب في حياتي لأخي فكنت أجد فيه أخلاقا وصفات لا أجدها في الآخرين ، كان حبي له يأخذني لأعلى ويجعلني أتعلق بأهداب الحياة الراقية التي تليق بي كإنسانة طموحة لها تاريخ ومستقبل وأمنيات. أمي حنينة جدا ، أشعر أنها لا تنام فكلما استيغظ على حركة ما ليلا أجدها هي لتفتح نوافذ الهواء أو لتطمئن على أغطيتنا .. كان حبها لنا كبيرا حتى أشعر بأنه عبء علي لأنني لا أستطيع أن أكافئه أبدا.. أبي مشغول دائما بعمله ولا أراه الا ثلاث مرات في اليوم، مرة عندما يعطيني مصروف الصباح ، ومرة على مائدة الغداء وثالثة عنما أصحو على تقبيه لي ليلا وما كنت أدري متى يعود ولكن كنت ادري انه يحبا كثيرا غير انه كان يبدو مثل ذلك الذي لا يجد وقتا حتى لتعبير عن محبته لنا .. فهل هذه ضريبة المدنية الحديثة؟ .. حقيقة لا أدري ان عمل آبي كان يدر لنا دخلا معقولا .. وكنت احيانا أسمع أن أبي مشهورا في المدينة ولكنه امر لم يكن يهمني في كثير أو قليل بل كان يكفيني الاحترام والتقدير الذي أجده عند معظم من أقابلهم أو أصادفهم لا لشيء سوى أننا بشر نحمل الحب والاحترام لبعضنا وللأخرين وهو ما تميزت به أسرتنا الصغيرة والكبيرة فنحن جئنا من القرية للمدينة ولا نعرف الدروب الصغيرة ولا الوضيعة. كانت هناك نوافذ في قلبي تطل على حب الحق والخير والفضيلة.. ان السحاب الأبيض كان يستدعي في عيني الدموع ويكسي قلبي بالألق ، أما هدوء الفجر فقد كان يجعلني أتوشح بالصفاء وأبدأ دائما رحلة للبحث عن الوجود النبيل. |
|
|
جميع حقوق الطبع محفوظة© لأسامة رقيعة @ 2006 تم تصميم الموقع بواسطة الأستاذ/ معتز محمد عثمان |